A propos

jeudi 4 décembre 2014

دور المجتمع المدني الغيني في ترسيخ قيم المواطنة بغينيا كوناكري


بسم الله الرحمن الرحيم
        إن التغيّرات التي شهدتها غينيا كوناكري منذ حصولها على الاستقلال عام 1958م، وما تعاقب عليها من تظاهرات واحتجاجات متتالية خلال الأعوام الموالية، لم تطرأ سدى، ولم تنفجر بمجرد إرادة الشعب، وإنما كان وراءها حركات وهيئات وطنية لعبت دورا أساسيا في تحريك عجلة الديمقراطية بالبلاد.

نبذة عن غينيا كوناكري:
        غينيا منطقة تقع في ساحل غرب إفريقيا، وتبلغ مساحتها 245, 860 كيلو مترا مربعا، ويبلغ عدد سكانها -حسب تقديرات 2012- إلى11,45 [1] مليون نسمة. وتقطنه عرقيات متعددة تصل حوالي 18 عرقا، وغالبية أهل غينيا يدينون بالإسلام الذي يصل إلى 93,5%[2]، ونظام الحكم جمهوري رئاسي علماني (وفقا للدستور). واللغة الرسمية للبلاد هي الفرنسية، ويجيد أغلبهم اللغات الثلاثة الأكثر انتشارا في المجتمع، وهي: الفلانية، والماندنكية، والسوسوية. وشعارها: العمل- العدالة- التضامن، وهي مستعمرة فرنسية منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي إلى حين استقلالها بتاريخ 2 أكتوبر 1958.

وقد تعاقب على رئاسة البلاد خمسة رؤساء، وهم: أحمد سيكو توري، والجينرال لنسانا كونتي، وموسى داديس كمارى، وسيكوبا  كوناتي، والرئيس الحالي ألفا كوندي.

وغينيا من أقل بلاد العالم تنمية، ومع ذلك لديها العديد من الموارد الطبيعية التي يمكن أن تحوّلها إلى دولة ثرية، لأن فيها ثلث مخزون العالم من البوكسيت[3]، ومعادن أخرى مهمّة كخام الحديد، والماس، والذهب، واليورانيوم..

ولقد أساءت أغلب الأنظمة السابقة تدبيرها السياسي، فنهجت سياسة التقشف، وإعمال القوة، والديكتاتورية..
ففي عهد الزعيم أحمد سيكو توري، تضاعفت الاعتقالات السياسية، وتعذيب المعارضين، وسجن المثقّفين مما أدّى إلى فرار الكثير منهم إلى الخارج..

وبعدما استولت قوات الجيش على الحكم عام 1984م برئاسة لنسانا كونتي، عمدت إلى استرجاع الحرية، ومراعاة حقوق الإنسان، فتمّ إطلاق المئات من السجناء السياسيين، وأصبحت الدولة تسمى بـ"جمهورية غينيا"، عوض "الجمهورية الغينية الثورية الشعبية" التي أطلقت عليها في عهد الرئيس السابق أحمد سيكو توري.

وفي عام 1988، ارتفعت أسعار السلع ارتفاعا حادّا، نتجت عنها فوضى في البلاد، و تحرّك الشعب ضدّ القرار الحكومي، فاتخذت حكومة "كونتي" القوة وسيلة لتثبيت الأسعار والإبقاء عليها.

وبعده بعام، اتهمت الحكومة الغينية من طرف المنظمة الدولية لحقوق الإنسان بالتعسف في الاعتقالات، وسجن النساء، وتعذيب المعارضين بصورة جماعية[4].. 

وفي عهد الرئيس موسى داديس كمارى، شهدت غينيا مظاهرات عنيفة طالبت برحيل المجلس العسكري الحاكم (2009)، وقتل خلالها المئات من المتظاهرين، فيما تم الاعتداء على النساء جنسيا..

ومنذ قيام النظام الديمقراطي السائد (2010) برئاسة البروفوسور ألفا كوندي، فإن الواقع الغيني السياسي والاجتماعي يعيش توترا حادا، وسوء تفاهم بين النظام والمعارضة..
       
ولإخراج الشعب الغيني من ويلات الديكتاتورية، وسوء التدبير، وإعطاء الشعب حق التصويت، والمشاركة في صنع القرارت... عمد "المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني-Conseil National des Organisations de la Société Civile Guinéenne" إلى ضمّ كافة الهيئات المحلية الساهرة على حقوق المواطن في صف واحد تحت قيادته.
     

  وتم تأسيس "المجلس"، سنة 2002، بقيادة بين سيكو سيلا -Ben Sékou Sylla بهدف تنمية السوسيو الاقتصادية، والسياسية والثقافية، وتحقيق الأمن والسلام الاجتماعيين، والديمقراطية الفعّالة، امتثالا بالقوانين والأنظمة السارية بالبلاد. وذلك بعد المؤتمر الوطني الذي عقد عام 2001 حول "المجتمع المدني ودوره في التنمية المستدامة".

المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني: خصائصه ومبادئه
        يمتاز المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني بمجموعة من الخصائص التي تجعله عنصرا فعّالا في ترسيخ قيم المواطنة بغينيا كوناكري، وتتلخص في المحاور التالية:
1)     الاستقلالية، والتكامل، والشفافية.
2)     الحياد المطلق في الأمور السياسية.
3)     التنمية والدفاع عن الحقوق.
4)     الديمقراطية.
5)     التعهّد والمسؤولية المتبادلة.
6)     التنوّع في التكامل.
7)     الانفتاح والتبادل.
8)     وهناك خاصية أخرى هي الأهم من كل الخصائص التي سطّرها المجلس في ورقته التعريفية، وهي محاولته ضمّ مجموعة من المنظمات والهيئات ذات الأهداف المتماثلة تحت قيادته، والتي يصل تعدادها إلى ثمانين 80 منظمة وطنية، وتتكوّن من الهيئات الدينية، والفئات الاجتماعية، والأحزاب السياسية، والمؤسسات الجمهورية، والإدارات العامة والخاصة..

وينطلق المجلس من مبادئ يمكن حصرها فيما يلي:
-      احترام وتنمية حقوق الإنسان، والسعي لإقامة العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
-      تشجيع المساواة والعدل بين الناس عن طريق تنمية حقوق المرأة والشبيبة.
-      التركيز على تقوية الطاقات الإنسانية في ظل الديمقراطية وإدماج المواطنين.
-      تطبيق الشفافية والمساءلة في الحسابات.
-      إقامة الشراكات المنصفة والتضامن.
-       الالتزام في التعلّم المتبادل.

وبالنظر إلى الواقع الغيني، ومحاولة تنزيل الخصائص والمبادئ التي ينطلق منها المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني؛ يمكن القول إن المجلس قد نجح -إلى حدّ ما- في تحقيق أهدافه وشقّ طريقه نحو الديمقراطية وإشراك المواطن في صنع القرار، وغير ذلك من أوجه التنمية المستدامة التي يسعى من أجله، إذ إن المجلس منذ تأسيسه إلى يومنا هذا، ظلّ مناضلا من أجل الديمقراطية والتنمية في البلاد، وذلك في كل المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، نذكر منها:

1) المستوى السياسي: من أجل الاستقرار السياسي، والسير على درب تحقيق مطالب الشعب وفقا لقوانين الدستور، حقّق "المجلس" مجموعة من الأهداف التي مكّنت الشعب الغيني من تحريك عجلة الديمقراطية عن طريق:
-       تأسيس القوات الحيّة -Les Forces Vives- عام 2005 والتي ستلعب دورا فعّالا في ترسيخ قيم المواطنة داخل البلاد؛ من قبيل إشراك المواطن الغيني في العملية الانتخابية الحرّة التي تحظى بالقبول لدى الجميع..
-       كما أن المجلس شارك في توسيع رقعة الاحتجاجات الوطنية  بغينيا ما بين 2006  و2007 في مطالبة "الإصلاح في التعليم"، "وحسن تدبير الشأن السياسي"..
-       كما أن المجلس كان المحرّك الأساس في الحركة الاحتجاجية التي قامت ضد الحكم سنة 2007 والتي رفعت شعار "التغيير"..

وكل ذلك بقيادة "الحركة الاجتماعية الغينية-  Le mouvement Social Guinéen التي هي فرع من فروع "المجلس"، وهي المبادرة التي فرضت على النظام تشكيل حكومة جديدة يرأسها الوزير الأول وفق اختيارات الشعب..
    وبعد انقلاب 2008 بقيادة المجلس العسكري وبرئاسة موسى داديس كمارى، تأكّدت إرادة الحزب الحاكم (CNDD) في السيطرة على الحكم ومخالفة وعده بتنظيم الانتخابات الرئاسية دون ترشّحه..
فقام المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني بتحريك الاتحادات الوطنية، والباترونا، إلى جانب المعارضة بتعبئة عامة عرفت بـ - La Mobilisation Générale تحت قيادة مؤتمر القوات الحيّة،  Forum des Forces Vivesوهي التي أثمرت احتجاجات 28 سبتمبر 2009..

2) وعلى المستوى الاجتماعي، تم تأسيس "الحركة الاجتماعية الغينية-Mouvement Social Guinéen، والتي لعبت دورا مهما في تحقيق الأهداف المتمثلة بـ:
-       تشكيل الحكومة الوحدة الوطنية Gouvernement d’union national
-       والمجلس الوطني الانتقالي Conseil National des transitions
-        وتشكيل اللجنة الانتخابية الوطنية المستقلة Commission Electorale National Indépendante (CENI) والتي ستتولى مراقبة عملية الانتخابات الرئاسية والبلدية فيما بعد، بمشاركة المجتمع المدني في تسييره..
-        انخراط المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني في مجال التربية الوطنية في توعية الشعب الغيني..
-        كما توجّه المجلس إلى محاربة الفقر والبطالة ومساعدة الطبقة الهشة والمعوزة في المجتمع الغيني عن طريق مصلحة تعبئة المواطنين أو ما يصطلح عليه بـ La mobilisation Citoyenne  

3) وعلى المستوى الثقافي، أطلق المجلس الوطني لمنظمات المجتمع المدني الغيني مبادرة تحت مسمى "الأولوية للشباب-Priorité Jeunesse والتي تهدف إلى توعية الشبيبة الغينية ومشاركتهم في تحقيق تطلعاتهم المستقبلية..
ومنذ إطلاق المبادرة تم تمويل المئات من المشاريع الشبابية داخل البلاد.

آفاق المجلس المستقبلية:
        لبناء ديناميته الجديدة في السنوات الخمس المقبلة، تعهّد المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني تنفيذ مشاريع كبرى، تتلخص في أربعة محاور:

المحور الأول: طرق التركيز على الأهداف الحالية للمجلس: وتتمثّل في كل من:
-       التوجّهات، والأهداف المشتركة (بين الأعضاء/الهيئات)، والتنوّع في ظل الوحدة
-               محاولة استحضار دور المجتمع المدني الغيني في الجانب السياسي والإداري...

المحور الثاني: كيفية تجاوز التحديات في: 
-       الاستقلالية التامّة "للمجلس"، ومحاولة إبعاد كل عضو/موظّف ينتسب للدولة.
-       تأطير جيل قادر على توعية الشباب والنساء.

المحور الثالث: الوقوف أمام التحديات لمشاركة المجلس في أعمال كل من:
-       ­الهيئات الوطنية والإقليمية ذات الأهداف المتماثلة
-       التمويل في التنمية المستدامة
-       الديمقراطية وحقوق الإنسان
-       تدبير الزراعة وحقوق المستهلكين
-       الحفاظ على البيئة..

المحور الرابع: سبل إنعاش دولة جديدة بغينيا كوناكري يسودها:
-       الحقّ والقانون
-       حسن تدبير الموارد الطبيعية للبلاد
-       إبراز دور المجتمع المدني في تقييم السياسية الداخلية..
هي ذي، أهم ما جاء في ديباجة المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني، ما يتعلّق بآفاق المجلس المستقبلية.   

وعموما، يمكن الاعتراف بعظم الجهود التي يبذلها المجلس الوطني لهيئات المجتمع المدني الغيني في سبيل إقامة دولة يسودها القانون، وحسن التدبير في الحكم، وإقامة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية داخل البلاد، وتحقيق الأمن والسلام بمشاركة المواطن في التنمية المستدامة.

محمد تفسير بالدي
باحث في الدراسات الإسلامية والإفريقية.







[1]  République de guinéeGuinea is back and ready for business, Narratif d’Ensemble – Conférences des Partenaires et des Investisseurs privés de la Guinée. octobre 2013. p8.
[2]  التاريخ الإسلامي/ التاريخ المعاصر/ غربي أفريقية، تأليف: محمود شاكر، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية: 1417هـ - 1997م، ص: 110.
[3] La République de Guinée/ Michel Renaudeau, édition deloisse, p : 10
[4]  التاريخ الإسلامي، ص 104: 

dimanche 5 octobre 2014

مقابلة : الدكتور هاورن باه يتحدّث عن أطروحته الموسومة بـ"الدين والدولة في إفريقيا"


بتاريخ 26 سبتمبر 2014، ناقش الباحث السنغالي هارون باه أطروحته التي تقدّم بها للحصول على درجة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس الرباط، تحت إشراف الأستاذ الدكتور/ المصطفى منار، بعنوان: الدين والدولة في أفريقيا ـ  السنغال، المغرب ،نيجيريا ،السودان ـ  دراسة في العقد الاجتماعي.
ونوقشت الأطروحة بمقر كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ سلا ؛ الساعة العاشرة صباحا إلى الثانية عشر زوالا أمام اللجنة المكونة من السادة الأساتذة:
الدكتورة/ لبابة عاشور: رئيسة.
الدكتور/ المصطفى منار: مشرفا وعضوا.
الدكتور/ سعيد الحسن: عضوا.
الدكتور/ عادل مساوي: عضوا.
الدكتور/ نجيب الحجيوي: عضوا.
وتم قبول الأطروحة بميزة/ مشرّف جدا.
في كلمته في المناسبة، أثنى الأستاذ المشرف الدكتور المصطفى منار على الباحث السنغالي على "كفاءته العلمية، وأخلاقه الإنسانية..."، معتبرا في السياق نفسه الأطروحة التي تقدم بها الباحث "من الكتابات التي يمكن الاستعانة بها في الكتابة الوطنية والجامعية". وأن الباحث قد خاض في موضوع "عميق جد"، إذ تحدّث عن الخطاب العلماني، وحاول أن يقارب صراع القيم بالهوية في إطار علم السياسة...

وتقدم الدكتور سعيد حسن "برسالة اعتزاز ومحبة للباحث هارون باه، لمناقبيته العالية، وخلقه، وهدوءه، لاهتماماته العلمية، ولتربيته..."ومن جانبه قال الدكتور عادل موساوي متحدثا عن الأطروحة: "هذا البحث يكتسي أهمية قصوى، سيما وأنه يتصدى لإشكالية مهمة استأثرت بمهمة الباحثين في مجال الدراسات الأفريقية، ويتعلق الأمر بعلاقة الدين بالدولة في المجتمعات الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة..." وزاد قائلا: "مما يميّز الأطروحة، أنها تناولت مجموعة من نماذج داخل القارة الأفريقية (الحالة السنغالية، والحالة المغربية، والحالة النيجرية، والحالة السودانية".

وبهذه المناسبة، حاولت مقابلة الباحث للحديث عن بعض القضايا المتعلقة بأطروحته، وأجريت معه المقابلة التالية [فتم نشرها في موقع مجمع الأفارقة على هذا الرابط]:

محمد تفسير بالدي [م. تفسير]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بداية، أرحبّ بكم في "مجمع الأفارقة"، الموقع المتخصص في الشؤون الأفريقية  بكل أبعادها (السياسية، والأكاديمية، والاجتماعية، والدينية، والثقافية...)، نحاول من خلاله رصد كل ما له علاقة بالدراسات الأفريقية عبر العالم. ونشكركم على قبول دعوتنا للتحدث إلينا في منبر "الأفارقة". قبل البداية، نودّ التعرّف إليكم، من هو هاورن باه؟
الدكتور هارون باه [د. هارون باه]: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وبارك على النبي الكريم، وبعد:
أشكركم جزيل الشكر على اعتنائكم واهتمامكم بهذه القارة التي تجمعنا جميعا. هذه القارة التي ينبغي أن نجعل من همّها همّنا، ومن أمرها أمرنا، لأننا في نهاية المطاف نحن المسؤولون عنها أولا وأخيرا، وأحيّي بادرتكم الطيبة والمباركة، والتي سمّيتموها "مجمع الأفارقة"، وأرجو أن يلتئم جمع الأفارقة عبرها حتى ينهضوا لإنقاذ قارتهم من التخلف الذي تعيشه منذ سنين.    
وفيما يخص التعريف بنفسي، فأنا سنغالي الجنسية كبرت وترعرعت بأرض شنقيط، أشتغل في مجال البحث العلمي.

[م. تفسير]: وماذا عن مسيرتكم العلمية؟ كيف انتقلتم من العلوم الشرعية إلى العلوم السياسية؟ وما هي أهم المراحل التي مررتم بها في مسيرتكم العلمية؟
[د. هارون باه]: ابتدأت دراستي بموريتانيا حيث كان الوالد يقيم بها، وينبغي هنا أن أعترف بفضل موريتانيا علي، ففضلها عليّ عظيم، ابتدأت الدراسة في "المحاضر"، ثم  التحقت بالمدارس النظامية في المرحلة الابتدائية، وبعد أحداث 1989، عدنا إلى البلاد (السنغال) فالتحقت بإحدى المدارس الأهلية التابعة لجماعة عباد الرحمن، وبعد ثلاث سنوات بها شددت الرحال إلى موريتانيا من جديد و التحقت بالمعهد السعودي، وكان هذا المعهد عبارة عن كلية للشريعة تابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. لكن المعهد أغلق قبل حصولي على شهادة الباكلوريوس،  وقبلها كنت حاصلا على شهادة الباركلوريا النظامية من ثانوية العروة الوثقى بانواكشوط، وبها سجلت بكلية الحقوق بالعاصمة الموريتانية، وتخرّجت من شعبة العلاقات الدولية. وقدمت للمغرب لمواصلة الدراسات العليا في القانون العام والعلاقات الدولية، و لدى وصولي التحقت بوحدة "الدبلوماسية المغربية"، وناقشت فيها رسالتي دبلوم الدراسات العليا المعمقة بكلية الحقوق بسلا تحت عنوان: "دول غرب إفريقيا في ميزان الجيوبوليتيك"، و بعدها سجّلت في سلك الدكتوراه مسلك القانون العام والعلوم السياسية أطروحة بعنوان "الدين والدولة في أفريقيا" بنفس الكلية.

[م. تفسير]: في عددها الثامن عشر الصادر بتاريخ/ شوال - ذو الحجة 1434ه ، أكتوبر - ديسمبر 2013 م لمجلة قراءات أفريقية، قرأنا لكم دراسة ميدانية بعنوان: "إشكالية اللغة في أفريقيا... ترميم ذاكرة". وهل تكتبون في مجلات أخرى؟ إن كان نعم، ما هي أهم المقالات التي نشرتموها؟ وهل أنتم على علاقة ببعض المجلات المتخصصة؟
[د. هارون باه]: المقال الذي أشرتم إليه، نشر لي أول مرة في مجلة "آفاق أفريقية"، ونشر مرة أخرى في مجلة "قراءات أفريقية "، وصدر  لي مقال آخر بعنوان: "الحركة الإسلامية ..الصعود والتحدي" في مجلة "وقائع دستورية وسياسية المغربية"، ولدي وعد بنشر مقال جديد بعنوان: "حركة التدين في السنغال" بمجلة "قراءات أفريقية"، وبحول الله سيصدر لي مقال آخر بعنوان: "تداعيات الثورات العربية على الحراك السنغالي".

[م. تفسير]: ماذا أحسستم به وأنتم تعدون رسائلكم الجامعية؟ وماذا احتفظتم به بين مرحلة "دول غرب أفريقيا في ميزان الجيوبوليتيك..." وأطروحة "الدين والدولة في أفريقيا"؟ أي ما بين مرحلة إعداد الماجستير والدكتوراه.
[د. هارون باه]: يبدوا أنني من خلال دراستي العليا بالمغرب، اكتشفت أفريقيتي بالمعنى الأكاديمي في تكامل تام مع النسيج الحضاري الإسلامي المتعدد الشعوب الذي أشارك فيه الانتماء غيري  من أبناء ملتي، ووجدت نفسي مهموما بالقضايا الأفريقية أكثر فأكثر. وفي المغرب يشعر المرء بانسجام كبير بالانتماءات المتعددة المتكاملة؛ وذلك لتميز موقع المغرب الجغرافي، من بعد أفريقي، وانتماء عربي و إسلامي، وبقضايا وهموم العالم الثالث وبالآخر أيضا، ففي المغرب تتناغم كل تلك الأبعاد الهويّاتية.
 يبدوا أنني من خلال دراستي العليا بالمغرب، اكتشفت أفريقيتي بالمعنى الأكاديمي في تكامل تام مع النسيج الحضاري الإسلامي المتعدد الشعوب الذي أشارك فيه الانتماء غيري  من أبناء ملتي، ووجدت نفسي مهموما بالقضايا الأفريقية أكثر فأكثر
[م. تفسير]: لنعد إلى الأطروحة، كيف جاءتكم فكرة "الدين والدولة في أفريقيا"؟
[د. هارون باه]: لا شك أن كل من يطلع على القارة الأفريقية، ويسمع عنها ويرى معاناة أهلها، سيفكّر –لا محالة- في كيفية الخروج من هذا المأزق. فهكذا وجدت نفسي مشغولا بقضايا القارة ونهضتها، فموضوع "الدين والدولة" و إن كان يحمل طابعا علميا و فكريا إلا أنه من صميم مداخل النهضة والتنمية كذلك. لأن الإجابة على إشكالية علاقة المعتقد بالممارسة السياسية وتجلية الروابط بينهما بشكل واضح كفيل أن ينقلنا من طور التخلف إلى طور النهضة، وبالتالي فالبحث يحاول أن يقدم مقاربة لحل مشكلات القارة من خلال نماذجنا المختارة، ثم إن الجمع بين الدين والدولة في الأطروحة إنما هو تتويج للمسار العلمي الذي بدأته  سابقا (العلوم الشرعية). ومن هنا اشتغلت على هذا الموضوع الذي يحاول أن يسبر أغوار هذه العلاقة أي الدين بالدولة في أبعادها المتعددة وقوفا عند ما يقدمه الدين للفاعل السياسي وصانع القرار من فرص للإقلاع بأوضاعنا المزرية.
موضوع "الدين والدولة" و إن كان يحمل طابعا علميا و فكريا إلا أنه من صميم مداخل النهضة والتنمية كذلك. لأن الإجابة على إشكالية علاقة المعتقد بالممارسة السياسية وتجلية الروابط بينهما بشكل واضح كفيل أن ينقلنا من طور التخلف إلى طور النهضة
[م. تفسير]: ما هي مبررات اختيار الدول الأربعة (السنغال- المغرب – نيجيريا –السودان) دون غيرها من الدول الأفريقية ؟
[د. هارون باه]: شكلت هذه الدول منذ عهد قديم منطقة حضارية واحدة إلا أن الاستعمار فتّتها وجزّءها، ومن الطبيعي عندما نناقش شؤون الدائرة الحضارية الإسلامية الإفريقية من منطلق سياسي أن ننطلق منها كوحدة جغرافية، ثم إني أتحدث عن الدين والدولة في أفريقيا، ومعروف أن أفريقيا يزيد تعداد دولها على الخمسين دولة، و من المهم هنا أن يختار  الباحث بعضا من النماذج كحالة دراسة، وفيما يخص أطروحتي، هناك دولتين مستعمرتين بريطانيتين (السودان ونيجيريا)، و دولتين فرنكوفونيتين (السنغال والمغرب). وأعتقد أن تسليط الضوء على هذه الدول الأربعة في الفضاء الأفريقي، يعطينا صورة عن الواقع الإسلامي الأفريقي، و من هنا وقع الاختيار على هذه الدول.
ومن الطبيعي عندما نناقش شؤون الدائرة الحضارية الإسلامية الإفريقية من منطلق سياسي أن ننطلق منها كوحدة جغرافية
[م. تفسير]: في مناهجكم المعتمدة -وبالتحديد المنهج النسقي-، ورد فيه ما نصّه: "تغدوا المسألة الدينية مطلبا سياسيا، وبعدا استراتيجيا، في ظل التنافس على السلطة بتوظيف الخطاب الديني للوصول إلى السلطة". هل ترون أن ذلك حاضر في القارة السمراء؟ 
[د. هارون باه]: نعم، خصوصا في الدول التي اخترتها، أعتقد أن الدين في جانب من جوانبه يغدوا همّا سياسيا في البحث عن الشرعية لا يمكن تجاوزه، ولعلكم تذكرون أن من أسباب الانقلاب في السودان عام 89 هو سعي الحركة الانفصالية في الجنوب لإزاحة الشريعة من الحكم، وبالتالي من بين الأسباب التي دفعت البشير وجماعته إلى المضي في الانقلاب هو الحفاظ على الهوية الدينية للبلاد، وفي المغرب تتأسس الإمارة على تأويلات دينية، وفي السنغال مباركات مشايخ الطرق الصوفية مطلوبة ومرغوب فيها، وفي نيجيريا بعد حرب "بيافرا" أصبحت المسألة الدينية جزءا من الخطاب السياسي، هذا على المستوى الجهوي الإقليمي، أما على المستوى الدولي فالإسلام يشكّل حاجزا للغرب في علاقته بالعالم الإسلامي منذ انتهاء القطبية الثنائية وسقوط المعسكر الشيوعي،  وفي اعتقادي، سيتعزز مطلب الخطاب الديني في الشأن السياسي إفريقيًّا في المستقبل سواء من جهة السلطة أو من جهة المعارضة، ويبقى أن الدين حاضر في تدبير الشأن العام بشكل من الأشكال حسب طبيعة الدولة و مرجعيتها الدستورية.
[م. تفسير]: ما هي توصيتكم للمثقف الأفريقي باللسان العربي؟
[د. هارون باه]: من خلال اشتغالي على أطروحة "الدين والدولة في أفريقيا"، تأكّد لي أن لدينا تراثا إسلاميا معتبرا جدا ـ  على مستوى أقطارنا ـ تراث غني وثري، ينبغي الاعتناء به، وأعتقد أن الاعتناء به قد يضيء لنا بعض الجوانب من حياتنا الاجتماعية، وأرى أن يحاول المستعرب الأفريقي الانفتاح على التخصصات الأخرى (الاجتماعية، السياسية، القانونية...)، لأن عصرنا يقتضي منا ذلك.
في اعتقادي، سيتعزز مطلب الخطاب الديني في الشأن السياسي إفريقيًّا في المستقبل سواء من جهة السلطة أو من جهة المعارضة، ويبقى أن الدين حاضر في تدبير الشأن العام بشكل من الأشكال حسب طبيعة الدولة و مرجعيتها الدستورية.
[م. تفسير]: ما هي انطباعاتكم حول موقع "مجمع الأفارقة"؟
[د. هارون باه]: "مجمع الأفارقة" مبادرة شبابية، لا يسع المرء  إلا ينوّه بها ويشيد بها. و من منبركم أدعوا الشباب الباحثين أن يحذو حذوكم، على سبيل الدفع إلى الأمام إسنادا للبحث العلمي، مما سيمكننا من الاطلاع على حقيقة القارة وما تعيشه، ولا شك أن ذلك سيمدنا بتصور سليم لبناء مستقبل زاهر على أساس رصين. و الله أسأل أن يبارك في مبادرتكم وأن يحفظكم ويمدّكم بالقوة والصحة والعافية.

أجريت المقابلة بتاريخ 27 سبتمبر 2014 بمدينة العرفان/ الرباط.
حاوره: محمد تفسير بالدي، لمجمع الأفارقة. 

mercredi 30 juillet 2014

لماذا الاهمتمام الأفريقي باللغة العربية؟

بسم الله الرحمن الرحيم
[http://wp.me/p3FOjY-11O لقد نشرنا هذا المقال لأول مرة في موقع "مجمع الأفارقة"، وهو متوفر على هذا الرابط]


في لقاء خاص مع جريدة “التجديد” المغربية، لإعداد ملف شامل حول حركة اللغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء، سألني الصحفي مجموعة من الأسئلة مفادها:
لماذا الاهتمام باللغة العربية؟”، “أليس لديكم لغات تهتمون بها؟”، “وما موقع العربية عند الأفارقة”؟
هي أسئلة لا أشك أنّ الكثير من الأجانب يطرحونها بشكل متواصل، كما أن بعض الأفارقة يطرحون سؤال “لماذا الاهتمام الأفريقي باللغة العربية؟”، لأنها –على حدّ تصورهم- لغة لا ترقى إلى مستوى التقدم المعرفي والتكنولوجي لتحظى على هذا الاقدام الكبير من لدن الأفارقة، ثم إن العربية ليست لغة الأفارقة جنوب الصحراء
فلهؤلاء جميعا أقول: نحن الأفارقة، نهتم بالعربية لأسباب كثيرة، يمكن إجمالها فيما يلي:
ü     الدور الحضاري والتنموي الذي أسهمت به اللغة العربية في صناعة الشخصية الأفريقية يقتضي منا الاهتمام بالعربية لما لعبته من دور فعّال للحفاظ على الهوية الأفريقية حتى صارت من أهم مكوّنات الهوية الأفريقية.
ü     كونها لغة التواصل الأولى لمعظم مناطق القارة لعدة قرون على المستويين الرسمي والشعبي.
ü     جهود علماء القارة في إنتاج المعرفة في شتى الفنون باللغة العربية، يدفعنا إلى الاهتمام بالعربية للعناية بالتراث العربي الإفريقي.
ü     لأن اللغة العربية في أفريقيا، تعد الضمان التاريخي للغات القارة، إذ أخذت كثير من اللغات الأفريقية عناصر مهمّة من العربية.
ü     كما أمدت العربية بعض اللغات الأفريقية بنظامها الكتابي الأوّل قبل الحضور الغربي إلى القارة السمراء، فتبنّت معظم اللغات الإفريقية الحرف العربي في كتاباتها، “فكانوا أول من قاموا بتعريب ألسنتهم “. ويُعتبر الحرفُ العربيُ من أكثر معطيات الحضارة الإسلامية إيجابياً في حيز المنفعة لشعوب غرب أفريقيا حيث فتح لهم الطّريق لاستيعاب أساليب جديدة لحضارتهم التّقليدية أثمرت نشاطاً فكرياً فاعلاً في كثير من أجزاء غرب أفريقيا في ذلك الوقت، وبتعليم الإفريقيين الكتابة العربية انتقل تاريخ غرب أفريقيا من مرحلة الرِّواية الشّفهية إلى مرحلة التّدوين، كما وجدت اللّغات القومية إلى الحرف العربي الأبجدي الحفيظ على تلك الألسن .
ü     اتساع رقعة اللغة العربية في إفريقيا، فهي اللغة الرسمية لتسع دول إفريقية، هي: مصر وليبيا والسودان وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وتشاد وجيبوتي، ويتم التحدث بها بصورة واسعة في وسط إفريقيا وشرقها، مثل الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجمهورية إفريقيا الوسطى وتنزانيا)زنجبار(، وتمثّل اللغة العربية لغة شعائر دينية لأكثر من 430 مليون مسلم في قارة إفريقيا، وتُستخدم اللغة العربية الفصحى في الإعلام والأغراض الرسمية والعالمية والأعمال والسياسة، كما أن معظم الأدب يُكتب بها
هذا وذاك كله، مما يدفعنا في القارة السمراء إلى الاهتمام بالعربية أيما اهتمام، ولا يعني ذلك الإعراض عن اللغات الإفريقية، وإنما الاعتناء بهما معا في سبيل الحفاظ على الهوية الإفريقية. كما أن ذلك لا يعني الابتعاد عن اللغات الرسمية لدول غرب أفريقيا (لغات المستعمر)، لأنها تشكّل اللبنة الأساسية لاندماج الشخص الأفريقي في كل جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية

بقلم: محمد تفسير بالدي
نزيل المغرب/ الرباط
2 شوال 1435 هـ / 30 يوليو 2014م.

mercredi 7 mai 2014

عن يومنا الدراسي حول "اللغة العربية في غرب إفريقيا بين الواقع والأمل"

في تدوينة سابقة، كنا نحدّثكم عن يومنا الدراسي الذي سيحتضنه معهد الدراسات الإفريقية بالرباط خلال شهر أبريل، فقدّر الله أن يؤّجل الموعد إلى بدايات ماي، فانعقدت أشغال اليوم الدراسي بتاريخ 3 رجب 1435هـ الموافق 3 ماي 2014 بقاعة المحاضرات بالمعهد نفسه. 
هذا اليوم الدراسي الذي نظّمته رابطة الغينيين الدارسين بالعربية في المغرب، والذي شارك فيه مجموعة من الباحثين الأفارقة والمغاربة المتخصصين في الدراسات الإفريقية، تناولت مجموعة من المواضيع المتعلقة بلغة الضاد في كل من غرب إفريقيا والمملكة المغربية، من بينها: "ظهور وتطور اللغة العربية في غرب إفريقيا"، و"سياسة المستعمر في محاصرة العربية في المغرب وإفريقيا"، و"واقع التعليم العربي في مدارس الغرب الإفريقي في ظل الازدواجية اللغوية"، بالإضافة إلى المواضيع المتصلة بواقع اللغة العربية في كل من غينيا ونيجيريا وموريتانيا والسينغال وساحل العاج.

هذا اليوم الدراسي عرف حضور شخصيات كبيرة في مقدمتها الأستاذ الدكتور محمد أديوان، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، جامعة محمد الخامس السويسي، والدكتورة مجيدة الزياني، أستاذة القانون بمؤسسة دار الحديث الحسنية، فضلا عن عدد من الدكاترة والباحثين، وطلبة العلم، ورجال الصحافة.

الأستاذ الباحث "جمال الرحوم"، حضر فعاليات اليوم الدراسي باعتباره مشاركا بورقة أعدّها بعنوان: "العلاقات المغربية الإفريقية وأثرها في نشر اللغة العربية"، قال ما نصّه:" ندوة سمحت مداخلاتها التي تميزت بالتنوع في مواضيعها، والجدة في مضامينها، والشمول في استحضار صورة اللغة العربية في جل بلاد الغرب الأفريقي، فضلا عن المغرب، بالوقوف على روعة لغة الجنة، ومدى انسجامها مع كل الشعوب، وأخذها باللباب من القلوب، وإن اختلفت الأقطار والمناطق، وتعددت في الأرض الجيوب، فلن يضيق لسان عن نطقها والاستمتاع بروعة بيانها وجميل صورها .."

هذا وقد خرج اليوم الدراسي بمجموعة من المقترحات والتوصيات منها:
-ضرورة تأسيس حركة "استعرابية" في مقابل المدّ الفرنكوفوني لمواجهة التحدّيات التي تواجهها اللغة العربية في منطقة غرب إفريقيا.
- إيجاد هيئة علمية محلية تسهر على الشؤون الدينية واللغة العربية في غرب إفريقيا...
-تأسيس منظّمة عربية في غرب إفريقية تعنى بقضايا العربية تعليما وبحثا وإشعاعا ثقافيا وحضاريا، لتكون همزة وصل لتكثيف التعاون العربي الإفريقي في مجالات التنمية البشرية، والسياسة الشرعية، والإقتصاد الاسلامي...
-كما خلصت المداخلات إلى ضرورة فتح كليات ومعاهد محلية في غرب إفريقيا تابعة للجامعات العربية الكبرى، بغرض توفير التخصصات العلمية باللغة العربية...
 وللمزيد يرجى الاطلاع على التغطية الصحفية لليوم الدراسي على هذا الرابط: http://bit.ly/1njoGB7